دليل الاقتصاد الإبداعي 

في النصف الثاني من القـرن العشـرين، شهد العالم صعوداً مدهشاً لمجموعات اقتصادية أصبح لها حاضـر مليء بالانتعاش الاقتصادي والتنموي الذي تعيشه الآن، من خلال أفكار ريادية استطاعت أن تحقق قفزات هائلة خلال زمن قياسي، لتصعد من قاع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى قمة التقدم الاقتصادي والرفاهية، وتتحول إلى لاعب رئيسي في الساحة الاقتصادية العالمية، ثم استطاعت أن ترسو في النهاية بعد حزمة إجراءات تنموية على بر الحضـارة والإبداع والتميز الاقتصادي والعلمي والتقني.

و إننا نرى اليوم التحول الوشيك للاقتصاد العالمي من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد تكون فيه القوة الأكثر أهمية هي ( القوة المتنامية للأفكار )، وزيادة الطلب على الخدمات الإبداعية والمحتوى الانتاجي الجديد الذي يتعاظم عاماً بعد عام.

مفهوم الفكر الاقتصادي المبدع

بشكل عام، هو ​​كيفية كسب الناس المال من الأفكار، وهو طريقة جديدة للتفكير والقيام بعمل ينعش الاقتصاد والخدمات وتجارة التجزئة والترفيه بشكل يتماشى مع النهضة التكنولوجية العالمية.

بدأ الترويج لمفهوم الاقتصاد الإبداعي لأول مرة من قِبل الكاتب البريطاني “جون هوكنز” في عام 2001، وأطلقه على 15 نشاطًا تشمل مجالات متنوعة تبدأ بالفنون وتمتد لتشمل مجالات العلم والتكنولوجيا وقدر حينها “هوكنز” حجم معاملات هذا الاقتصاد في مختلف أنحاء العالم بما يعادل 2.2 تريليون دولار.

إنه الإبداع في التسويق وطريقة العرض ورسالة ورؤية الشركة، فالاقتصاد الإبداعي اليوم هو قطاع رئيسي ومهيمن في مجال المهن والأعمال والتجارة والاقتصاد.

مجالات العمل بمفهوم الاقتصاد الإبداعي

رأس المال العالمي وجد منابع جديدة للثروة بعيدا عن الطرق الاقتصادية التقليدية، وأصبحت الأفكار والأبحاث الإبداعية هي البوصلة لتطوير السياسات الاقتصادية العالمية، ومن هذه المجالات نذكر منها:

الاستثمار الثقافي:

برزت الصناعات الثقافية والابداعية خلال السنوات القليلة الماضية كأحد روافد الاقتصاد العالمي، ومحركاً من محركات النمو، باعتبارها مصدراً رئيساً للوظائف، و ضامناً لاستقرار ورفاهية المجتمعات.

هناك أنواع من الاستثمارات في الثقافة: كالنشر وصناعة السينما وإقامة الحفلات الموسيقية، وتضرب الأمثلة في العادة ببرج إيفل الذي يعادل ثقله الاقتصادي السنوي 1 على 15 من الدخل القومي لفرنسا حسب إحصائيات 2012، الذي يسمح باستقطاب أعداد السياح، وما يصرفه هؤلاء أثناء زيارتهم من أكل وشرب ومواصلات ومشتريات، وحتى استغلال اسمه التجاري الذي يعطيه ثقلاً كبيراً في الاقتصاد رغم أنه معلم ثقافي في الأساس، وتماثله حالة متحف «كوكينغام بيلباو» في مدينة بيلباو الإسبانية، التي مرت بركود اقتصادي شديد إلى أن تم افتتاح ذلك المتحف، حيث ساعد على خلق أكثر من 45 ألف فرصة عمل جديدة في الفترة الممتدة بين 1997 و2007، وأنعش المدينة وجعلها إحدى أهم المدن التي تستقطب السياح في إسبانيا، وهذه أيضاً حال كل المدن في العالم التي تعتمد على معالم تراثية أو مهرجانات ثقافية.

الاستثمار في التكنولوجيا:

هو قطاع واسع جداً يشمل كل شيء (التكنولوجيا في كل مكان)، ويعد قطاع التكنولوجيا موطناً للشركات من جميع الأحجام بما في ذلك الشركات الناشئة أو العلامات التجارية المقدرة قيمتها المالية بمليارات الدولارات.

وتندرج عدة قطّاعات تحت بند الاستثمار في التكنولوجيا مثل: الذكاء الاصطناعي، الهواتف الذكية، أجهزة الحاسوب والبرامج، خدمات البث Streaming، والأمن السيبراني.

ما نعنيه أن التكنولوجيا هي حولنا في كل مكان، ولم تعد حصراً على الشركات التي تنشط في مجالات التكنولوجيا الأساسية، بل كل شركة بصرف النظر عن نشاطها بات عليها الاعتماد على التكنولوجيا لمواكبة التطورات.

الاستثمار الصناعي الإبداعي

تعوّل الدول المتقدمة اليوم على صناعات مواطنيها الإبداعية، فإن الصناعات الابداعية هي الوحيدة التي لا تنهار أمام أي تغيير أو اقتصاد منافس أو أزمة مالية، بل على العكس من ذلك، تتجلى أهميتها في صنع تاريخ المكان والحفاظ على هوية المجتمعات بكل مساراتها ووسائلها وأشكالها لأنها قائمة على الفكر الصناعي المستدام.

توسعت الصناعة الابداعية لتشمل قسم كبير من الصناعة المستقبلية الغير تقليدية مثل: المتاحف والمكتبات والمعارض، الموسيقى والصناعة السينمائية، الرسوم المتحركة والأنيميشن، بالإضافة لتصميم المنتجات وتطوير البرامج.

الاستثمار في الطاقة المتجددة

هي نوع الأعمال التي تتدخل في تحويل الطاقات المتجددة إلى مصادر للدخل والترويج لها، وأن ما يقارب 65 دولة تخطط للاستثمار في الطاقات المتجددة، وعملت على وضع السياسات اللازمة لتطوير وتشجيع الاستثمار في الطاقات المتجددة.

و بلغت رؤوس الأموال في استثمارات الطاقة المتجددة تقريباً حوالي 97 مليار دولار أمريكي عام 2017.

الاستثمار في الخدمات الإبداعية

الاستثمار الحقيقي المبدع هو الاستثمار في المواهب، فقد تغيرت أسس الاستثمار و تطورت لتشمل مجالات عدة برزت أهميتها في الأعوام المنصرمة، فهي مبنية على تخفيض رأس المال لتؤمن عوائد مالية عالية باستخدام التنمية الفكرية للخدمات مثل:

  • الاستثمار في القطاع الإعلامي و وسائل الإعلام الجديدة، وتشمل (البرمجيات، وألعاب الفيديو، والمحتوى الإبداعي الرقمي).
  • الاستثمار في قطاعات التسويق و الإعلان.
  • الاستثمار في التجارة العالمية والبيع عن طريق الانترنت للعالم ككل.
  • خدمات التصميم، وتضم (الرسم، والأزياء، والمجوهرات، ولعب الأطفال).
  • الخدمات الإبداعية الذكية، وتضم (الخدمات المعمارية، والخدمات الثقافية والترفيهية، وفي بعض الأحيان الأبحاث الإبداعية).

الاقتصاد الإبداعي على مستوى الدول

من صنع في الصين إلى الإبتكار في الصين “كيف حولت الأمة نفسها من ورشة العمل الشاقة في العالم إلى المبتكرة العالمية في عقد واحد فقط”.

هي خطة حكومية طموحة مصممة لتعزيز الابتكار الصناعي في الصين.

يقود دعم الحكومة الصينية ومعرفتها بالسوق (الصين تصنع كل شيء من المنتجات النفعية إلى التكنولوجيا ذات القيمة العالية) تحولاً من صنع منتجات الشركات الأجنبية إلى تطوير علاماتها التجارية وابتكاراتها.

بعد أن أدركت أن الابتكار هو القوة الدافعة الأساسية وراء التنمية، تتجه الصين نحو الإبداع في التصنيع فلم يعد هناك “صنع في الصين”، بل من الآن فصاعداً “تم إنشاؤه في الصين”.

انتقلت الصين من مرحلة الخدمات الصناعية لدول العالم إلى مرحلة التفوّق الصناعي العالمي، بعد الخبرة العالية التي اكتسبتها من الصناعة المتنوعة أصبحت الآن  تجتاح العالم بعبقرية ابداعية باعتمادها على ابتكاراتها المحلية و ابداع الصناعيين فيها.

نهضة الاقتصاد الماليزي

في عام 1971 كشفت الحكومة الماليزية عن برنامج للإصلاح الاقتصادي سمته “سياسة اقتصادية جديدة” (NEP)، وفي السبعينيات شهدت ماليزيا أسرع توسع اقتصادي لها، حيث بلغ معدل النمو في ذلك العقد 7.9% سنوياً.

قامت اليابان بدور مهم بالثورة الصناعية في ماليزيا، حيث إن البلاد تم هندستها حرفياً من خلال رأس المال والتكنولوجيا اليابانية في الثمانينيات والتسعينيات

بدأ التصنيع، وحولت ماليزيا تركيزها بشكل كامل إلى تصدير السلع المصنعة مثل مكيفات الهواء والثلاجات وأجهزة التلفاز وأجهزة الكمبيوتر، بدلاً من مجرد بيع المواد الخام مثل القصدير والمطاط.

وقد دفع هذا المجتمع الاقتصادي العالمي إلى دراسة هذه الظاهرة الفريدة بعد أن ظلت ماليزيا بعيدا عن متناول مؤسسات الاستشارات الاقتصادية الدولية.

تجارب السويد في الاقتصاد الإبداعي

بحلول عام 2012، أضحى دخل الفرد السويدي يتربع في المرتبة السابعة عالميا، وقام المنتدى الاقتصادي العالمي بتصنيف السويد كرابع دولة تنافسية في العالم.

وتتلخص رحلة “النموذج السويدي” لقهر الفقر في تسوية تمت بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

ولكي يتمكن “النموذج السويدي” من تحقيق “السهل الممتنع” استخدم 3 أساليب هي الحكم الرشيد، والابتكار، والتجارة الحرة.

فى بداية القرن الماضي أدركت أهمية الاقتصاد الإبداعي من أجل الازدهار، فتحولت السويد من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي، حيث تم تطوير اقتصاد يهدف إلى التصدير مع التركيز بشكل رئيسي على التجارة الخارجية.

بدأ ذلك مع تصدير المواد الخام الأساسية كالقطران والحديد والنحاس والخشب، إلى أن وصل في الوقت الحاضر إلى تصدير المعرفة والأفكار المبتكرة.

أصبحت السويد تمتلك الآن نحو 40 ألف شركة تصدر إلى الخارج وأكثر من نصف المنتجات المصنعة في السويد يتم تصديرها إلى الخارج، وتمثل الصادرات 50% من الناتج المحلي الإجمالي السويدي.

فكر الاقتصاد الإبداعي هو دليل نجاح الشركات الكبرى العالمية

الشركات الكبرى هي أي شركة تولّد من أعمالها تدفقات نقدية إيجابية كبيرة أو أرباحاً تزداد بمعدلات أسرع بكثير من الاقتصاد الكلي، تميل الحصول على فرص إعادة استثمار مربحة للغاية لتحقيق أرباحها المحتجزة.

شركة Google:

مثال جوهري للشركات الكبرى التي استثمرت في التكنولوجيا، واستمرت بتطوير أفكارها واستقطبت العقول الابداعية العالمية من أجل التطوّر ومتابعة الحداثة، أيضا قامت شركة جوجل بتطوير و تحديث منتجاتها مثل برنامج الانترنت الشهير جوجل كروم Google Chrome، إضافة إلى هذا تم توفير خدمات البريد الإلكتروني الخاص بها و هي الجي ميل Gmail و هو تطبيق منتشر وواسع في استخداماته، ومن منتجاتها أيضا برنامج البحث عن الفيديوهات الشهير اليوتيوب YouTube و كما توفر جوجل خدمات خاصة بالترجمة Google Translate، و برامج الخرائط المنتشرة Google maps كما أن نظام الأندرويد الخاص بالهواتف الذكية تابع إلى شركة جوجل.

فقد نمت الإيرادات والتدفقات النقدية والأرباح فيها بشكل كبير منذ طرحها العام الأولي، ومن المتوقع أن تزيد أرباحها بشكل ملحوظ في المستقبل، وبالتالي، فإن السوق ترفع أسعار أسهمها إلى تقييمات عالية. 

شركة Tesla

هي أفضل مثال عن الاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة، فلم يكن نجاح الملياردير الأميركي إيلون ماسك، صاحب شركة تسلا للسيارات الكهربائية وشركة سبيس إكس للصواريخ التي تقدر قيمتها حاليا بحوالي 20 مليار دولار محض صدفة.

الرجل الذي أحدث “ثورة” في عالم النقل على الأرض وفي الفضاء، بحسب وصف موقع فوربس، يمتلك قصة نجاح كبيرة تخللتها محطات فشل، من خلال الابتكار و قيادة حكيمة و فكر اقتصادي عصري استطاعت الشركة دخول السوق العالمي و اثبات نفسها ضمن أقوى الشركات الاقتصادية في العالم.

وستكون الشركة التي تتخذ من ولاية كاليفورنيا مقرا لها أكبر شركة جديدة يتم إدراجها في سوق الأسهم الأمريكية، علما بأن القيمة السوقية للشركة تفوق 400 مليار دولار أمريكي.

شركة Amazon

كان جيف بيزوس مؤسس شركة أمازون أغنى شخص في العالم خلال السنوات الثلاث الماضية، فقد نمت ثروته بمعدل 13 مليار دولار في يوم واحد، لتصل إلى 189 مليار دولار.

فهم بيزوس النمو السريع للإنترنت والذي بلغ 2300 بالمئة سنوياً بحلول عام 1993، مما دفعه إلى مشاركة فكرة بيع الكتب عبر الإنترنت مع رئيسه وزملائه، ومع ذلك، تم اعتبار هذه الفكرة مجنونة في ذلك الوقت وتم تجاهلها.

مع نمو الأعمال التجارية عبر الإنترنت، رأى بيزوس الحاجة إلى التنويع، قدمت أمازون مجموعة واسعة من المنتجات، بما في ذلك الإلكترونيات والملابس والمنتجات الاستهلاكية.

لم يكتف بيزوس بكل هذا النجاح، وركز على فرضية أن شركته تتمحور حول العملاء، فأطلق برنامج اشتراك امازون برايم الخاص به، والذي يقوم بشحن المنتجات المشتراة من متجره عبر الإنترنت خلال فترة زمنية قصيرة، بحد أقصى 48 ساعة، وكل ذلك مجاناً.
ثم تطورت خدمة أمازون برايم، وهي تشمل الآن خدمة الاشتراك السابقة، بالإضافة إلى مشاهدة قنوات التلفزيون عبر الإنترنت، ومكتبة ضخمة من الموسيقى والأفلام الحصرية.

شركة Netflix

بدأت “نتفلكس” خدمة البث الحي حسب الطلب للأفلام والمسلسلات عبر الإنترنت عملها عام 1989 بتقديم خدمة بيع وتأجير الأقراص المدمجة وتوصيلها عبر البريد، وبعد نحو عقد بدأت الشركة تقدم خدماتها عبر الإنترنت.

بعد ذلك تم عرض مسلسل “هاوس أوف كاردز” كأول عمل من إنتاج الشبكة، ثم بدأت الشركة من وقتها في إنتاج المزيد من المحتوى الأصلي وفاز العديد من أعمالها بجوائز مهمة مثل جولدن جلوب والأوسكار، وبدأ عدد المشتركين في الشبكة يتزايدون بشكل كبير، ولم تتعرض الشركة لإخفاقات من وقتها، حيث أنقذها المحتوى الأصلي من أزمة كانت على وشك الدخول فيها.

أعلنت شركة نتفليكس في شهر أكتوبر من عام 2018 عن زيادة عدد مشتركين الخدمة ليصل إلى 137 مليون مشترك من جميع أنحاء العالم، من ضمنهم 58 مليون مشترك في الولايات المتحدة.

شركة IKEA

بدأت إيكيا باكتساب الشهرة العام 1956 بعد ريادتها في صنع الأثاث المُسطّح الذي مُدح لاحقًا وأحدث ثورة في التصميم المنزلي الحديث وذاع صيتها نظراً لبساطة التصميم وقيمته، وكان كامبراد يأخذ الخشب من مزرعة في قرية ”المتاريد“ جنوب السويد، وفي فترة الستينات والسبعينات تم افتتاح العديد من الفروع لايكيا، وتدريجياً اتسعت أعمالها وانتشرت الفروع حتى شملت القارة الأوروبية واتجهت بعدها للعالمية، فعند افتتاح فرع إيكيا بشنغهاي زار الفرع ما يربو من 80 ألف شخص، أما اليوم فيوجد أكثر من 300 متجر حول العالم  بـ 38 دولة عربية وغربية يعرض منتجات إيكيا.

في عام 2016، بدأت ايكيا الانتقال إلى أعمال المنزل الذكي، فأسست مجموعة الإضاءة الذكية (إيكيا تريتفري) وهي واحدة من أولى النطاقات التي تشير إلى هذا التغيير، فقد أكد الفريق الإعلامي في إيكيا أن مشروع المنزل الذكي سيكون خطوة كبيرة، ولقد بدأوا أيضاً شراكة مع (فليبس هو)، ويعتبر أثاث الشحن اللاسلكي الذي يدمج الشحن اللاسلكي في الأثاث اليومي، إستراتيجية أخرى للأعمال المنزلية الذكية

 

نرى إن المشاكل الاقتصادية وقلة الموارد تكون دافعاً هاماً للخروج بحلول اقتصادية إبداعية تؤدي إلى تحقيق التنمية في شتى دول العالم، فقد أصبح المقياس الأساسي للتقدم الاقتصادي، وهو اقتصاد يتطور مع تطور التقنية وخاصة في مجالات الاتصالات والمعلوماتية.

فلا ينبغي ترك الفكرة الجيدة التي لم تنفذ بعد، بل يجب تطبيق ما تم تعلمه إلى عمل، فذلك له أهمية بالغة، لأنها الطريق الأفضل لتطوير الكفاءات، وتوسيع النشاطات و دمج الأفراد.