التحفيز هو التشجيع، هو القوة الدافعة لإنجاز المهام الأساسية واليومية دون كلل؛ وقد يخلص البعض لوصفه بأنه الشعور أو الغريزة التي تجعلنا نتحمل الظروف غير المريحة التي ترافق الإقدام على الفعل بدلاً من تحمل ألم الندم على البقاء في نفس المكان دون تغيير. وهكذا نفهم كم هو ضروري ومهم لنتقدم في أي مجال من مجالات الحياة؛ ناهيك عن أنه مهارة شخصية مهمة جداً لأرباب العمل تبحث عنها أعينهم دوماً عند قراءة ملفك الشخصي. لنتعمق معاً في هذه المهارة الفريدة.

نظريات التحفيز Theories of Motivation

هناك خمس نظريات أساسية للتحفيز، لم تخلق دفعة واحدة بل تطورت عبر الزمن لتناسب المفاهيم القائمة؛ هذه النظريات هي:

  1. نظرية الغريزة Instinct theory

    تفرض هذه النظرية أن الإنسان يكون متحفزاً للقيام بعمل ما لأنه وأثناء تطوره قد تبرمج على القيام به، مثل منعكسات يقوم بها حديثو الولادة بها مثلاً: عند النقر على جذر الأنف لطفل صغير حديث الولادة سنلاحظ أنه يرمش بعينيه مع كل نقرة. يكون الفعل وفق هذه النظرية مرتبط بمشاعر خوف أو حب أو تعلق أو خجل أو غيرها. لم يتم اعتماد هذه النظرية لأنها تصف الفعل ولا تفسره.
  2. نظرية المكافآت أو البواعث Incentive theory

    تقول هذه النظرية أن الإنسان يقوم بالفعل إذا كان لهذا الفعل عائد إيجابي، مثلاً أنت تذهب للعمل يومياً لأنك تعلم أنك ستتلقى أجراً في نهاية الشهر؛ أي أن تلقي الأجر هو دافعك ومحفّزك للقيام بالعمل. تشبه هذه النظرية في صميمها مفهوم سلوكي يدعي الاشتراط الإجرائي Operant Conditioning الذي يعبر عن أن السلوك يُحَفَّز بعد تكوين رابط بينه وبين العاىد او النتيجة، كلما كانت النتيجة او المكافأة على الفعل أكبر كان الشخص متحفِّزاً أكثر. أي أن التعزيزات والمكافآت تقوّي الفعل وتسرّع إنجازه، أما العقاب فيضعف الرغبة بالقيام بالعمل.
  3. نظرية الدوافع والقوة الدافعة Drive theory

    تعبر القوة الدافعة هنا عن الرغبة بالتخلص من الأفكار والمشاعر غير المريحة المرتبطة بنتائج عدم القيام بالفعل. مثلاً الطالب يدرس لكي ينجح ففكرة الرسوب غير مريحة له.
  4. نظرية الاستثارة Arousal theory

    تنطلق هذه النظرية من مبدأ أن الإنسان يسعى دوماً لخلق توازن في حياته وقيم متوسطة معتدلة من كل شعور؛ وأولها الاستثارة أو الحماس أواليقظة. عندما تكون المستويات عالية يقوم بأفعال تخفضها والعكس بالعكس. مثلاً، انخفاض مستوى الحماس او الاستثارة يدفعك للقيام بمغامرة او نشاط حركي كالركض أو ممارسة الرياضة، وازديادها يدفعك للبقاء بالمنزل ممارسة التأمل او قراء كتاب لإعادة الهدوء.
  5. تسلسل ماسلو الهرمي للاحتياجات Maslow’s Hierarchy of Needs

    تبعاً لماسلو وأفكاره فإن القوة المحفزة للقيام من عمل تأتي من احتياجات تصنف ضمن هرم، قاعدته الاحتياجات الفيزيولوجية الأساسية الطعام والشراب وغيرها، وقمته هي الحاجة الاكثر تعقيداً وهي تحقيق الذات، مابينهما تندرج الحاجة للشعور بالأمان ثم الحب ثم الثقة. 

أهمية مهارة التحفيز

تقليل الملل: في الأعمال الروتينية قد يفقد الشخص الرغبة في الاستمرار لأنه قد ملّ التكرارية، حتى في الأعمال الإبداعية قد يفقد الشخص حماسه وتحفيزه لأنه قد دخل بحالة مؤقتة من الجمود الإبداعي؛ لذا وفي الحالتين فإن التحفيز المستمر من المحيط ومن الذات يكون له أثر إيجابي حُكماً.
خلق أفكار ووجهات نظر جديدة: كما سنوضّح لاحقاً فإن التحفيظ يركز على مشاعر وعقلية الفرد فهو يثير الجانب الإبداعي والمنطلق فيه فغالباً ما تكون النتائج بعد التحفيز تفوق بكثير ما كنا نأمله في بادئ الأمر.
إنجاز المهام والمشاريع في المواعيد المحددة: أيضاً فإن التحفيز يجعل الأفراد توّاقين لإنجاز المشاريع والمهام أي أنها حالة ربح ربح للجميع مع التحفيز!
التحفيز عنصر مهم من عناصر الذكاء العاطفي: وتحديداً التحفيز الذاتي، فمنبع هذا الأخير رغبة الفرد في إنجاز وتحقيق النجاح والمقاومة للوصول إلى الأفضل والتفاؤل؛ أي تحقيق الذات نهايةً.

أنواع التحفيز

التحفيز الذاتي

هو مرادف للتحفيز الداخلي، عندما تأتي القوة الدافعة للقيام بالأعمال من داخل الفرد، من أعماقه؛ رغبة منه بالشعور بالسعادة والإنجاز أو لاختبار الحب والشغف أثناء القيام بعمل يحب. والتحفيز الداخلي هو المكون السري في وصفة النجاح في أي مجال. التحفيز الذاتي يقوي الوزامك بأهدافك، يجعلك أكثر مرونة في مواجهة الضغوطات والتوتر كما أنه يحولك لشخص متفائل.
لأغلب الأشخاص الناجحين فإن التحفيز الذاتي ينطلق من طقوس صغيرة أو روتين يومي بسيط ثابت يطلق العنان للطاقة بداخلهم ليعطوا أفضل ما لديهم؛ مثلاً توايلا ثارب واحدة من أعظم راقصات الباليه ومصممي الرقصات تروي في كتابها The creative habit عن روتينها البسيط هذا، والذي يتألف من: الاستيقاظ في الخامسة صباحاً، ارتداء ملابس التدريب، تغادر المنزل وتستقل سيارة اجرة لمكان النادي الرياضي حيث تتدرب. أتلاحظون؟ الروتين ليس تمارين الإحماء بل مجرد أن تركب سيارة الأجرة يُدخِل عقلها حالة الاستعداد للعمل. بفكرة بسيطة وفعل بسيط نطلق الفعل الأساسي الكبير.
كل أحلامنا يمكن أن تتحقق، في حال امتلكنا الشجاعة لملاحقتها. وولت ديزني
من الصعب أن تهزم شخص لا يعرف معنى الاستسلام. بيب راث

التحفيز في العمل

إذا كنت مدير شركة ما أو قائد فريق فإن مهارة التحفيز هي سمة أساسية بل وأسلوب باتباعه سيمكنك من قيادة هؤلاء الموظفين داخل نفق الإبداع وصولاً لعالم النجاح؛ التفسير كالتالي:
موظف متخفز =》 موظف متحمس ونشيط =》 موظف مبدع وراغب بالعمل بشغف وحب =》 موظف ناجح في عمله
أي أنك بتطبيق مهارات التحفيز مع الموظفين ستضمن إنجازهم لعملهم سواء بحضورك وتحت إشرافك ومراقبتك وحتى في غيابك أو انشغالك بأعمالك الأخرى.
ومن طرق تطبيق هذه المهارة في هذه الحالة:
حدد الوقت وكن واضحاً في طلبك: عندما تولي مهمة لأحد الموظفين من الأفضل أن تحدد له موعد نهائي بدلاً من أن تقول له أن ينجزها بأسرع ما يمكن، وبدلاً من أن تطلب منهم أن يبذلوا جهداً إضافياً لإنهاء المشروع اطلب منهم أن يعملوا لوقت زائد لمدة أسبوع حتى ننهي المشروع.
شارك بالمصاعب والتضحيات: من مثالنا السابق عندما تطلب من الفريق أن يعمل لوقت زائد، ابقَ معهم وكن أول من يشمّر عن ساعديه للبدء بالعمل وآخر من يخرج من المكتب.
خاطب مشاعرهم وأعطهم أسباباً مختلفة: عند توزيع المهام على الفريق هناك كثير من الدوافع التي يمكن أن تذكرها لهم ليتحفزوا للعمل، غالباً ما يستخدم المدراء دافع ان الموظف سيخسر وظيفته مالم يتم عمله على أكمل وجه، لكن هذا غالباً مايكون أثره عكسي أي أن الموظف يفقد تحفيزه بسبب الخوف؛ بدلاً من ذلك العب على وتر المشاعر الإيجابية كالمتعة والحماس، حي الانتناء للفريق، والافتخار. أن تنشّط ذاكرة الفريق العاطفية أي مشاعرهم ورغباتهم وما سيوفّر لهم إنجاز هذا المشروع من خبرة أو فرص ستجد منهم إرادة وعزيمة في العمل قد تفوق ما كنت تطلبه. بكلمات أخرى، بدلاً من أن تذيع لهم خطاب طويل عن أهمية هذا المشروع للشركة أو لك شخصياً أخبرهم أنهم سيحصلون على علاوة أو إجازة أو ترقية.

تحفيز الطلاب

في حال كنت معلم فإنك تدرك تماماً أهمية أن يمتص وينهل طلابك منك القدر الأعظم من المعلومات، لكن هذا لن يحدث إذا كان الطالب نفسه غير مهتم بالمادة أو الاختصاص او التعليم أساساً، أي غير متخفز؛ مهارة التحفيز في هكذا حالة هي صديقك الحميم لأنها ستحدث الفرق العظيم. من الأمور التي يمكنك اتباعها:
اجعل علاقتك قوية بهم: انخراطك معهم ومع أفكارهم وآرائهم ومشاكلهم سيجعلك أكثر قدرة على تعميق التواصل بينكم وطرح أسئلة وإقامة نقاشات هادفة وتقريب المفاهيم المتعلقة بالمادة لهم بالاستفادة من معرفتك بهم.
كن قدوة لهم في حب المادة وأخبرهم بنهاية الرحلة: كن قدوة أي كن متحمساً أثناء الشرح، أظهر حبّك وشغفك بالمعلومات والمادة أمامهم أخبر عن أسباب تفضيلك لها ولما تجدها ممتعة فهذا سيوسّع مجال الأفكار لديهم. أخبرهم بالنهاية أي أخبرهم حقيقة كيف سيستخدمون ما تعلموه معك في حياتهم ومهنتهم ومستقبلهم.
اجعل الاختبارات والامتحانات سليمة لهم: أي ركّز بعد كل اختبار هلى أهمية ما قد تعلموه فعلاً وتجاوبوا معه من المعلومات بدلاً من أن تركّز على القسم الآخر.
أعطهم القدر المستطاع من الحرية فيما يخص المشاريع الجماعية والمواضيع التي تتم مناقشتها وطبعاً هذا الحد يختلف من حالة لأخرى ولكن سيفيد كثيراً أن يشعروا أنهم جزء من عملية التخطيط والتنظيم.

تحفيز الأصدقاء

مفهوم الصديق الجيد يدور حول فكرة أنه من يساعدك على العبور للجانب المضيء في حياتك بعيداً عن المظلم والبقاء فيه قدر الإمكان؛ ولكي تكون هذا الصديق فأيضاً يجب ان تمتلك مهارات التحفيز. من الأمور التي يجب أن تبقيها في ذهنك:
لا تقدم النصائح ما لم تطلب منك بشكل مباشر أو غير مباشر- هناك أكثر من وجه للتحفيز سنتطرق لهذا لاحقاً- وتجنب أسلوب الشماتة أوالترجي أو التكرار المزعج.
ابق القدوة؛ من يطلب مساعدتك والتحفيز منك فقد لاحظ أنك تملك ما سيطلب النصيحة لأجله فأبقِ على هذه الصورة لديه، لكيلا تتشتت أفكاره وتتزعزع ثقته بأفكارك.
شارك معاناتك والصعوبات التي تواجهها معهم؛ في أغلب الاوقات يكون سبب فقداننا التحفيز هو شعورنا ان الجميع يسير بطريق مستقيم ووحدنا من يسير بطريق ملتوٍ، لذلك مشاركتك للصعوبات ستوضّح لهم الفكرة.

نصائح لإتقان مهارة التحفيز

  • في حال المهن والأعمال الإبداعية التي تحتاج للتحفيز والمثابرة بوتيرة ثابتة ويومية، من المفيد امتلاك روتين يومي، مجموعة أفعال بسيطة متتالية متكررة يومياً، بالالتزام به فأنت تطلق طلقة النجاح والإنجاز الأولى في يومك. جاك لالان من رواد عالم الرياضة واللياقة ومخترع معظم الآلات التي نتدرب عليها في النادي الرياضي، امتلك روتين يومي بقي ملتزماً به حتى وهو في عمر الـ 94: الاستيقاظ في الرابعة (وفي سنينه الأخيرة اعتبر أن كان يتأخر بالاستيقاظ حيث استيقظ في الخامسة)، ساعة ونصف من تمارين القوة واللياقة، نصف ساعة من الركض أو السباحة، تناول عشر خضراوات طازجة غير مطبوخة، يومياً.
    “تُنجَز الأشياء العظيمة عبر سلسلة من الأعمال الصغيرة التي جمعت مع بعضها.” فينسنت فان غوخ
  • جدول تحفيزك، أي بدلاً من أن تستيقظ صباحاً وتتمنى أن تأتيك الرغبة للذهاب للنادي الرياضي بل اجعل ضمن مخططك الأسبوعي أو اليومي وقت مخصص للذهاب للنادي بغض النظر عن حالتك.
  • التزم قاعدة الاعتدال The Goldilocks Rule تنص القاعدة على أن المهام أو الأعمال التي تتطلب مستوى أقل من قدراتنا ستكون مملة، والتي تتطلب مستوى أعلى بكثير من قدراتنا ستكون محبطة، أي أننا أميل دوماً وأبداً لما يقع ضمن نطاق قدراتنا من مهارات وأعمال يكون فيها احتمال النجاحواحتمال الفشل كلاهما واردين، ليست صعبة ولا سهلة فقط مناسبة. ومن خلال هكذا أعمال ومهام نستطيع الوصول لما يعرف بحالة التدفق Flow State التي سنتطرق لها بعد قليل.

مفاهيم خاطئة

التحفيز سبب للقيام بالأعمال: في حقيقة الأمر فإن إنجاز العمل هو سبب يؤدي لحالة التحفيز لدى الفرد وليس العكس، ولكن لأن الأمر يشبه حلقة ندور فيها بين عمل وتحفيز عمل وتحفيز، فإن الأمر يبدو لنا وكأن التحفيز سبب إنجاز العمل بينما هو نتيجته. ولهذا السبب تحديداً فإن امتلاك روتين يومي من الأعمال البسيطة كما ذكرنا سابقاً يشكل بداية دخولنا حالة التحفيز للاستمرار بالقيام بالأعمال.
التحفيز يكون بإعطاء النصائح للشخص الآخر: مفهوم آخر خاطئ ومزعج، التحفيز ليس بالضرورة أن يعني التوجيه فقد يكون بأشكال أهرى كثيرة، أحياناً مجرد سماع الآخر وهو يروي همومه أو يشارك أحزانه هو شكل للتحفيز أن لديه أذن صاغية.
مهارة التحفيز تعني قدرتي على تحفيز الآخرين فقط: ولكن كما ذكرنا فإن أهم شخص تقع على عاتقك مسؤولية تحفيزه هو أنت! أي أن امتلاكك لمهارة التحفيز يعني قدرتك على تحفيز نفسك أولاً والآخرين ثانياً.
الحديث السلبي مع النفس، السخرية والتشهير على سبيل المزاح: هذه أعداء مهارة التحفيز، فهي تحبطك وتفقدك تحفيزك وتحبط مَن تحاول أن تمارس معه هذا الأسلوب، إلى جانب الخوف من الفشل وقلة الثقة بالنفس وانعدام الأولويات والنقد السلبي.

التحفيز والإلهام وحالة التدفق

التحفيز والإلهام صفتان يتمتع بهما القائد الجيد ويقدمهما لفريقه، لكن ما الفرق بينهما؟ التحفيز هو أن تخرج من صميم فريقك القوة الدافعة لإنجاز الأعمال الآنية والأهداف قصيرة المدى، أما الإلهام فهو للأهداف طويلة الأمد. الإلهام ينحت شخصية وليس فقط فعل؛ أي أن الإلهام يغير العقلية ويطوّرها أما التحفيز فيدعم العقلية الموجودة. الإلهام والتحفيز الصحيح ينبهان الفرد على أن أهم سبب يعمل لأجله هو تحقيق ذاته ونفعها؛ هما اختيار الوقت والطريقة الصحيحة لإخباره أنك تثق به وبإبداعيته وتفكيره وأفكاره ليقدموا أفضل مالديهم.
أما فيما يخص حالة التدفق Flow State فهي حالة ذهنية يصل لها الشخص عندما يكون في أشد تركيز على العمل الذي يقوم به، هي تدفق لأن كل كايحدق في العالم من حوله يكون غير ذي أهمية له، هذه الحالة توافق قمة التحفيز. الوصول لها يتطلب النظر في عنصرين أساسيين: مهارة وقدرات الشخص، وطبيعة المهمة المطلوبة منه. يجب أن تكون المهمة أو العمل موافق لقاعدة الاعتدال أي على القدر المناسب من الصعوبة؛ ومن المفيد الحصول دوماً على تقييم Feedback لما تم إنجازه منها حتى اللحظة ما يبقينا على دراية بكيفية سير الإنجاز ويبقي على حالة التركيز تلك.

لعل التحفيز أهم مهارة من المهارات الشخصية، لأن بامتلاكه يصبح الطريق لباقي المهارات وباقي الأعمال الحياتية أكثر متعة وسلاسة.

ولتتعلم عن المزيد من المهارات التي تحتاجها في الدراسة و العمل يمكنك زيارة قسم موقع مهارات في موقعنا 

من مشاهير هذا المجال

بعض الكتب الهامة